فصل: تفسير الآيات رقم (17- 18)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ‏}‏ ذكر الله تعالى الفيء في سورة الحشر والغنيمة في هذه السورة‏.‏

واختلفوا في الفيء والغنيمة على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من الأرض، قاله عطاء بن السائب‏.‏

والثاني‏:‏ أن الغنيمة ما أخذ عنوة، والفيء ما أخذ عن صلح، قاله الشافعي وسفيان الثوري‏.‏

والثالث‏:‏ أن الفيء والغنيمة سواء وهو كل مال أخذ من المشركين، وآية الفيء التي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، قاله قتادة‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏مِّن شَيْءٍ‏}‏ يريد جميع ما وقع عليه اسم شيء مباح حواه المسلمون من أموال المشركين‏.‏

‏{‏فإن لِلَه خُمُسَهُ‏}‏

أحدهما‏:‏ أنه استفتاح كلام، فلله الدنيا والآخرة وما فيهما، ومعنى الكلام فأن للرسول خمسه، قاله الحسن وعطاء وقتادة وإبراهيم والشافعي، وروى نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرّية فغنموا خمّس الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ ‏{‏وَاعلَمُواْ أَنَّمَا مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ‏}‏ وإنما قوله ‏{‏فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ‏}‏ مفتاح كلام، ولله ما في السموات وما في الأرض فجعل سهم الله وسهم الرسول واحد‏.‏

والثاني‏:‏ أن سهم الله مستحق لبيته، ومعناه فإن لبيت الله خمسه وللرسول وقد روى الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏وَلِلرَّسُولِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مفتاح كلام اقترن بذكر الله وليس للرسول من ذلك شيء كما لم يكن لله من ذلك شيء، وأن الخمس مقسوم على أربعة أسهم، وهذا قول ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة‏.‏

والثاني‏:‏ أن ذلك للرسول وهو قول الجمهور‏.‏

واختلفوا في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه للخليفة بعده، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم إرثاً، وهذا قول من جعل النبي موروثاً‏.‏

والثالث‏:‏ أن سهم الرسول صلى الله عليه وسلم مردود على السهام الباقية ويقسم الخمس على أربعة‏.‏

والرابع‏:‏ أنه مصروف في مصالح المسلمين العامة، قاله الشافعي‏.‏ والخامس‏:‏ أن ذلك مصروف في الكراع والسلاح، وروي أن ذلك فعل أبي بكر وعمر، رواه النخعي‏.‏

أما قوله تعالى ‏{‏وَلِذِي الْقُرْبَى‏}‏ فاختلف فيه على ثلاثة أقاويل‏:‏ أحدها‏:‏ أنهم بنو هاشم، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قريش كلها، روى سعيد المقري قال‏:‏ كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذي القربى، قال‏:‏ فكتب إليه عبد الله بن عباس‏:‏ كنا نقول إننا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا‏:‏ قريش كلها ذوو قربى‏.‏

الثالث‏:‏ أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، قاله الشافعي والطبري‏.‏

واختلفوا في سهمهم اليوم على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه لهم أبداً كما كان لهم من قبل، قاله الشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة‏.‏

والثالث‏:‏ أنه إلى الإمام يضعه حيث شاء‏.‏

والرابع‏:‏ أن سهمهم وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود على باقي السهام وهي ثلاثة، قاله أبو حنيفة‏.‏

وأما ‏{‏وَالْيَتَامَى‏}‏ فهم من اجتمعت فيهم أربعة شروط‏:‏

أحدها‏:‏ موت الأب وإن كانت الأم باقية، لأن يتم الآدميين بموت الآباء دون الأمهات ويتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء‏.‏ والثاني‏:‏ الصغر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ

»‏.‏ والثالث‏:‏ الإٍسلام لأنه مال المسلمين‏.‏

والرابع‏:‏ الحاجة لأنه معد للمصالح‏.‏

ثم فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه لأيتام أهل الفيء خاصة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لجميع الأيتام‏.‏

وأما ‏{‏الْمَسَاكِينِ‏}‏ فهم الذين لا يجدون ما يكفيهم‏.‏

وأما أبناء السبيل فهم المسافرون من ذوي الحاجات، والإٍسلام فيهم معتبر‏.‏ وهل يختص بأله الفيء‏؟‏ على القولين‏.‏ وقال مالك‏:‏ الخمس موقوف على رأي الإمام فيمن يراه أحق به، وإنما ذكرت هذه الأصناف لصدق حاجتها في وقتها‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ‏}‏ وهو يوم بدر فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏42‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا‏}‏ يعني شفير الوادي ببدر، الأدنى إلى المدينة‏.‏

‏{‏وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى‏}‏ يعني شفير الوادي الأقصى إلى مكة‏.‏

وقال الأخفش‏:‏ عدوه الوادي هو ملطاط شفيره الذي هو أعلى من أسفله، وأسفل من أعلاه‏.‏

‏{‏وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ‏}‏ يعني عير أبي سفيان أسفل الوادي، قال الكلبي‏:‏ على شاطئ البحر بثلاثة أميال‏.‏

‏{‏وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتََلْفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ ولو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم في الميعاد، بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك‏.‏

والثاني‏:‏ ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد، قاله ابن إٍسحاق‏.‏

والثالث‏:‏ ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم من غير معونة الله لكم لأخلفتم بالقواطع والعوائق في الميعاد‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليقتل ببدر من قتل من مشركي قريش عن حجة، وليبقى من بقي عن قدرة‏.‏

والثاني‏:‏ ليكفر من قريش من كفر بعد الحجة ببيان ما وعدوا، ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 44‏]‏

‏{‏إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏43‏)‏ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم قلة المشركين عياناً، وقوله ‏{‏فِي مَنَامِكَ‏}‏ يريد في عينيك التي هي محل النوم، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه، وهو الظاهر، وعليه الجمهور‏.‏

وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته، ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً لَّفِشِلْتُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لاختلفتم في لقائهم أو الكف عنهم‏.‏

والثاني‏:‏ لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ سلّم من الفشل‏.‏

والثاني‏:‏ لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم ولكن الله سلم من العدو‏.‏

وفيه ثالث‏:‏ ولكن الله سلم أمره فيهم حتى نفذ ما حكم فيهم به من هلاكهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 46‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏45‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ‏}‏ والفشل هو التقاعد عن القتال جبناً‏.‏

‏{‏وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يريد بالريح القوة، وضرب الريح لها مثلاً‏.‏

والثاني‏:‏ يريد بالريح الدولة‏.‏ ومعناه فتذهب دولتكم، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ يريد ريح النصر التي يرسلها الله عز وجل لنصر أوليائه وهلاك أعدائه قاله قتادة وابن زيد‏.‏

ويحتمل رابعاً، أن الريح الهيبة، وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم الريح‏.‏ ويكون معنى الكلام‏.‏ فتذهب ريحكم وهيبتكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 49‏]‏

‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏47‏)‏ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏48‏)‏ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ‏}‏ هم قريش حين خرجوا في حماية العير فنجا بها أبو سفيان، فقال لهم أبو جهل‏:‏ لا نرجع حتى نرِد بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان، فكان من أمر الله فيهم ما كان‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالَهُمْ‏}‏ قال المفسرون‏:‏ ظهر لهم في صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة فزين للمشركين أعمالهم‏.‏

يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ زين لهم شركهم‏.‏

والثاني‏:‏ زين لهم قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفيه وجه ثالث‏:‏ أنه زين لهم قوتهم حتى اعتمدوها‏.‏

‏{‏وَقَالَ‏:‏ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ يعني أنكم الغالبون دون المؤمنين‏.‏

‏{‏وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني أني معكم‏.‏ وفي جواركم ينالني ما نالكم‏.‏

الثاني‏:‏ مجير لكم وناصر‏.‏ فيكون على الوجه الأول من الجوار، وعلى الوجه الثاني من الإجارة‏.‏

‏{‏فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ فئة المسلمين وفئة المشركين‏.‏

والثاني‏:‏ المسلمون ومن أمدوا به من الملائكة‏.‏ فكانوا فئتين‏.‏

‏{‏نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ‏}‏ والنكوص أن يهرب ذليلاً خازياً، قال الشاعر‏:‏

وما ينفعل المستأخرين نكوصهم *** ولا ضَرّ أهل السابقات التقدم‏.‏

‏{‏وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ‏}‏ يعني من الملائكة الذين أمد الله بهم رسوله والمؤمنين‏.‏

‏{‏إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ‏}‏ وإنما ذكر خوفه من الله تعالى في هذا الموضع ولم يذكره في امتناعه من السجود لآدم لأنه قد كان سأل الإنظار إلى قيام الساعة فلما رأى نزول الملائكة ببدر تصور قيام الساعة فخاف فقال ‏{‏إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ فيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم قوم في قلوبهم شك كانوا تكلموا بالإسلام وهم بمكة، قاله ابن عباس ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم المشركون، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم قوم مرتابون لم يظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المنافقين‏.‏

والمرض في القلب كله هو الشك، وهو مشهور في كلام العرب، قال الشاعر‏:‏

ولا مرضاً أتقيه إني لصائن *** لعرضي ولي في الأليّة مفخر

وقوله تعالى ‏{‏غَرَّ هَؤُلآءِ‏}‏ يعني المسلمين‏.‏

‏{‏دينُهُمْ‏}‏ يعني الإسلام، لأن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتقدموا عليهم، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم حتى أظفر بهم المسلمين فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 51‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏50‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏51‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يتوفاهم ملك الموت عند قبض أرواحهم، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ قتل الملائكة لهم حين قاتلوهم يوم بدر‏.‏

‏{‏يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدبَارَهُمْ‏}‏ تأويله على القول الأول‏:‏ يضربون وجوههم يوم القيامة إذا واجهوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار‏.‏

وتأويله على القول الثاني يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم جاءوهم من أمامهم وورائهم، فمن كان من أمامهم ضرب وجوههم، ومن كان من ورائهم ضرب أدبارهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 54‏]‏

‏{‏كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏52‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏53‏)‏ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ‏}‏ يحتمل خمسة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه‏.‏

والثاني‏:‏ لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته‏.‏

والثالث‏:‏ لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم‏.‏ من تأدية حق الله تعالى منه‏.‏

والرابع‏:‏ لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان‏.‏

والخامس‏:‏ لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من الانقياد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 57‏]‏

‏{‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏55‏)‏ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ‏(‏56‏)‏ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تصادفهم‏.‏

والثاني‏:‏ تظفر بهم‏.‏

‏{‏فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنذر بهم من خلفهم، قال الشاعر من هذيل‏:‏

أطوِّف في الأباطح كلَّ يوم *** مخافة أن يشرِّد بي حكيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً‏}‏ يعني في نقض العهد‏.‏

‏{‏فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ‏}‏ أي فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغّدر‏.‏ بهم‏.‏ والنبذ هو الإلقاء‏.‏ قال الشاعر‏:‏

فهن ينبذن من قول يصبن به *** مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

وفي قوله تعالى ‏{‏عَلَى سَوَآءٍ‏}‏ خمسة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ على مهل، قال الوليد بن مسلم‏.‏

والثاني‏:‏ على محاجزة مما يفعل بهم، قاله ابن بحر‏.‏

والثالث‏:‏ على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك‏.‏

والرابع‏:‏ على عدل من غير حيف، واستشهد بقول الراجز‏:‏

فاضرب وجوه الغد والأعداء *** حتى يجيبوك إلى السواء

أي إلى العدل‏.‏

والخامس‏:‏ على الوسط واستشهد قائله بقول حسان‏:‏

يا ويح أنصار النبي ورهطه *** بعد المغيب في سواء الملحد

وذكر مجاهد أنها نزلت في بني قريظة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 60‏]‏

‏{‏وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ‏(‏59‏)‏ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ‏}‏ فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن القوة ذكور الخيل، ورباط الخيل إناثها، وهذا قول عكرمة‏.‏

والثاني‏:‏ القوة السلاح، قاله الكلبي‏.‏

والثالث‏:‏ القوة التصافي واتفاق الكلمة‏.‏

والرابع‏:‏ القوة الثقة بالله تعالى والرغبة إليه‏.‏

والخامس‏:‏ القوة الرمي‏.‏ روى يزيد بن أبي حبيب عن أبي عليّ الهمزاني عن عقبة بن عامر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر‏:‏ «‏{‏وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة‏}‏ أَلاَ إِنَّ القُوةَ الرميُ» قالها ثلاثاً‏.‏

‏{‏وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ‏}‏ على قول عكرمة إناثها خاصة، وعلى قول الجمهور على العموم الذكور والإناث‏.‏

وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ارتبطوا الخيل فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُم عِزٌّ، وَأَجْوَافَهَا لَكُم كَنزٌ»‏.‏ ‏{‏تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ عدو الله بالكفر وعدوكم بالمباينة‏.‏

والثاني‏:‏ عدو الله هو عدوكم لأن عدو الله عدو لأوليائه‏.‏ والإرهاب‏:‏ التخويف‏.‏

‏{‏وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ‏}‏ فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ هم بنو قريظة، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أهل فارس والروم قاله السدي‏.‏

والثالث‏:‏ المنافقون؛ قاله الحسن وابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ الشياطين، قاله معاذ بن جبل‏.‏

والخامس‏:‏ كل من لا تعرفون عداوته، قاله بعض المتأخرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 63‏]‏

‏{‏وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏61‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏62‏)‏ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏63‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ وإن مالوا إلى الموادعة فَمِلْ إليها‏.‏

والثاني‏:‏ وإن توقفوا عن الحرب مسالمة لك فتوقف عنهم مسالمة لهم‏.‏

والثالث‏:‏ وإن أظهروا الإسلام فاقبل منهم ظاهر إسلامهم وإن تخلف باطن اعتقادهم‏.‏

وفيه ثلاثة أقاويل‏:‏ أحدها‏:‏ أنها عامة في موادعة كل من سألها من المشركين ثم نسخت بقوله تعالى ‏{‏فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ قاله الحسن وقتادة وابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنها في أهل الكتاب خاصة إذا بذلوا الجزية‏.‏

والثالث‏:‏ أنها في قوم معينين سألوا الموادعة فأمر بإجابتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏64- 66‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏64‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، قاله الكلبي ومقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ حسبك الله أن تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم‏.‏

قال الكلبي‏:‏ نزلت هذه الآية بالبيداء من غزوة بدر قبل القتال‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلفاً‏}‏ يعين يقاتلوا ألفاً قال مجاهد‏:‏ وهذا يوم بدر جعل على كل رجل من المسلمين قتال عشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الأَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم‏}‏‏.‏

وقال ابن بحر‏:‏ معناه أن الله تعالى ينصر كل رجل من المسلمين على عشرة من المشركين، وقد مضى تفسير هاتين الآيتين من قبل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 69‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏67‏)‏ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏68‏)‏ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ‏}‏ وهذا نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بعد مشاورة أصحابه على الفداء بالمال، كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى ذلك عليه وأنه ما كان له أن يفادي الأسرى‏.‏

‏{‏حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما هو الغلبة والاستيلاء، قاله السدي‏.‏

والثاني‏:‏ هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون ويذل به المشركين‏.‏ قاله مجاهد‏.‏

‏{‏يُرِيدُونَ عَرَضَ الْدُّنْيَا‏}‏ يعني المال، سماه عرضاً لقلة بقائه‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ‏}‏ يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة‏.‏

‏{‏لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ يعني ما أخذتموه من المال في فداء أسرى بدر‏.‏

وفي قوله ‏{‏لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ‏}‏ أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوه من فداء أسرى بدر عذاب عظيم، قاله مجاهد وسعيد بن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، قاله ابن اسحاق‏.‏

والرابع‏:‏ لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر‏:‏ هم قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر‏:‏ هم أعداء الله وأعداء رسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فدء الأسرى ليتقوى به المسلمون، وقال‏:‏ «أَنتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ» فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الأمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ» ثم إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله ‏{‏فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حََلاَلاً طَيِّباً‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 71‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏70‏)‏ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏71‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أحل مما أخذ منكم‏.‏

الثاني‏:‏ أكثر مما أخذ منكم‏.‏

قيل إن هذه الآية نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر وأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال‏:‏ يا رسول الله كنت مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس‏.‏ قال‏:‏ «فَأَيْنَ الأَمْوَالُ الَّتِي دَفَعْتَهَا إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ» فقال‏:‏ إن الله لزيدنا ثقة بنبوتك‏.‏ قال العباس‏.‏ فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً في التجارة فقد أعطاني الله عز وجل خيراً مما أخذ مني يوم بدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏72‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ‏}‏ يعني بالله‏.‏

‏{‏وَهَاجَرُواْ‏}‏ يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله‏.‏

‏{‏وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِم وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ والمجاهدة بالمال‏:‏ النفقة، والمجاهدة بالنفس القتال، وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة‏.‏

ثم قال ‏{‏وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ‏}‏ يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في منازلهم ونصروا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروهم‏.‏

‏{‏أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أولئك بعضهم أعوان بعض، قاله الجمهور‏.‏ والثاني‏:‏ أولئك بعضهم أولى بميراث بعض‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ‏}‏ يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى أنزل الله تعالى ‏{‏وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كَتَابِ اللَّهِ‏}‏ يعني في الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام، قاله مجاهد وعكرمة والحسن والسدي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 75‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ‏(‏73‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏74‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏75‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بعضهم أنصار بعض، قاله قتادة وابن إسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ بعضهم وارث بعض، قاله ابن عباس وأبو مالك‏.‏

‏{‏إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ إلاَّ تناصروا أيها المؤمنون ‏{‏تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ‏}‏ يعني بغلبة الكفار‏.‏

‏{‏وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ بضعف الإيمان، قاله ابن اسحاق وابن جرير‏.‏

والثاني‏:‏ إلاّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة ‏{‏تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ‏}‏ باختلاف الكلمة‏.‏ ‏{‏وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ بتقوية الخارج على الجماعة، قاله ابن عباس وابن زيد والله أعلم‏.‏ ‏{‏وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏74‏)‏ والَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ ‏(‏75‏)‏‏}‏

سورة التوبة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ في ترك افتتاح هذه السورة ب ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها والأنفال كالسورة الواحدة في المقصود لأن الأولى في ذكر العهود،

والثانية في رفع العهود، وهذا قول أُبي بن كعب قال ابن عباس‏:‏ وكانتا تدعيان القرينتين، ولذلك وضعتا في السبع الطول‏.‏

وحكاه عن عثمان بن عفان‏.‏

الثاني‏:‏ أن ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ أمان، وبراءة نزلت برفع الأمان، وهذا قول ابن عباس، ونزلت سنة تسع فأنفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقرأها في الموسم بعد توجه أبي بكر رضي الله عنه إلى الحج، وكان أبو بكر صاحب الموسم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يُبِلِّغُ عَنِّي إِلاَّ رَجُلٌ مِنِّي» حكى ذلك الحسن وقتادة ومجاهد‏.‏

وحكى الكلبي أن الذي أنفذه رسول الله صلى لله عليه وسلم من سورة التوبة عشر آيات من أولها‏.‏

حكى مقاتل أنها تسع آيات تقرأ في الموسم، فقرأها علي رضي الله عنه في يوم النحر على جمرة العقبة‏.‏

وفي قوله تعالى ‏{‏بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها انقطاع العصمة منهما‏.‏

والثاني‏:‏ أنها انقضاء عهدهما‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ وهذا أمان‏.‏ وفي قوله ‏{‏فَسِيُحواْ فِي الأَرْضِ‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ انصرفوا فيها إلى معايشكم‏.‏

والثاني‏:‏ سافروا فيها حيث أردتم‏.‏

وفي السياحة وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها السير على مهل‏.‏

والثاني‏:‏ أنها البعد على وجل‏.‏

واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنه أقل من أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب، فأما من لا أمان له فهو حرب، قاله ابن إٍسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها إليها، ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى ‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة، المعاهد منهم وغير المعاهد، قاله الزهري ومحمد بن كعب ومجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ أن الأربعة ألاشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ولا أمان، أما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم، قاله الكلبي‏.‏ واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن أولها يوم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وآخرها انقضاء العاشر من شهر ربيع الآخر، قاله محمد بن كعب ومجاهد والسدي‏.‏

والثاني‏:‏ أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، قاله الزهري‏.‏

والثالث‏:‏ أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة، وآخرها يوم العشرين من شهر ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من النسئ، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فيه حتى نزل تحريم النسئ وقال‏:‏ «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ

» ‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ‏}‏ أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً‏.‏

‏{‏وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن‏.‏

والثاني‏:‏ في الآخرة بالنار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ‏}‏ في الأذان ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه القصص، وهذا قول تفرد به سليمان بن موسى النشابي‏.‏

والثاني‏:‏ أنه النداء بالأمر الذي يسمع بالأذن، حكاه علي بن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ أنه الإعلام، وهذا قول الكافة‏.‏

وفي ‏{‏يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ‏}‏ ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب وابن المسيب وعطاء‏.‏ وروى ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال‏:‏ «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ» والثاني‏:‏ أنه يوم النحر، قاله عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبه وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي‏.‏

وروي مرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى عليه وسلم على ناقته الحمراء وقال «أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا‏؟‏ يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ»‏.‏ والثالث‏:‏ أنها أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم، قاله مجاهد وسفيان، قال سفيان‏:‏ كما يقال يوم الجمل ويوم صفين، أي أيامه كلها‏.‏

أحدها‏:‏ أنه سمي بذلك لأنه كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، قاله مجاهد‏.‏

والثالث‏:‏ أن الحج الأكبر هو الحج، والأصغر هو العمرة، قاله عطاء والشعبي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏4‏)‏ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ‏}‏ الآية‏.‏ في الأشهر الحرم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها رجب وذو العقدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد، وهذا رأي الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الأربعة الأشهر التي جعلها الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع عشر من شهر ربيع الآخر، قاله الحسن‏.‏

‏{‏فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ في حل أو حرم‏.‏

والثاني‏:‏ في الأشهر الحرم وفي غيرها‏.‏ والقتل وإن كان بلفظ الأمر فهو على وجه التخيير لوروده بعد حظر اعتباراً بالأصلح‏.‏

‏{‏وَخُذُوهُم‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ على التقديم والتأخير، وتقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، وتقديره‏:‏ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم‏.‏

‏{‏وَاحْصُرُوهُم‏}‏ على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين‏.‏

وفي قوله ‏{‏وَاحْصُرُوهُم‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه استرقاقهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الفداء بمال أو شراء‏.‏

‏{‏وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يطلبوا في كل مكان فيكون القتل إذا وجدوا، والطلب إذا بعدوا‏.‏

والثاني‏:‏ أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم فيما حكم به تعالى عليهم من قتل أو استرقاق أو مفاداة أو منٍّ ليعتبر فيها فعل الأَصلح منها‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏فَإِن تَابُواْ‏}‏ أي أسلموا، لأن التوبة من الكفر تكون بالإسلام‏.‏

‏{‏وَأَقَامُواْ الْصَلاَةَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي اعترفوا بإقامتها، وهو مقتضى قول أبي حنيفة، لأنه لا يقتل تارك الصلاة إذا اعترف بها‏.‏

الثاني‏:‏ أنه أراد فعل الصلاة، وهو مقتضى قول مالك والشافعي، لأنهما يقتلان تارك الصلاة وإن اعترف بها‏.‏

‏{‏وَءَاتُوا الزَّكَاةَ‏}‏ يعني اعترفوا بها على الوجهين معاً، لأن تارك الزكاة لا يقتل مع الاعتراف بها وتؤخذ من ماله جبراً، وهذا إجماع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وفي كلام الله وجهان أي إن استأمنك فأمِّنه‏.‏

أحدهما‏:‏ أنه عني سورة براءة خاصة ليعلم ما فيها من حكم المقيم على العهد‏.‏ وحكم الناقض له والسيرة في المشركين والفرق بينهم وبين المنافقين‏.‏

الثاني‏:‏ يعني القرآن كله، ليهتدي به من ضلاله ويرجع به عن كفره‏.‏

‏{‏ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ‏}‏ يعني إن أقام على الشرك وانقضت مدة الأمان‏.‏

‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ الرشد من الغيّ‏.‏

والثاني‏:‏ استباحة رقابهم عند انقضاء مدة أمانهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ إذا لم يعطوا أماناً‏.‏

الثاني‏:‏ إذا غدروا وقاتلوا‏.‏

وفي قوله ‏{‏إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم قوم من بني بكر بن كنانة، قاله ابن إٍسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قريش، وهو قول ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ خزاعة، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ بنو ضمرة، قاله الكلبي‏.‏

‏{‏فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ‏}‏ يعني فما أقاموا على الوفاء بالعهد فأقيموا عليه، فدل على أنهم إذا نقضوا العهد سقط أمانهم وحلّت دماؤهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني يقووا حتى يقدروا على الظفر بكم‏.‏ وفي الكلام محذوف وتقديره‏:‏ كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم‏.‏

‏{‏لاَ يرْقُبُوْ فِيكُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يخافوا‏:‏ قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ لا يراعوا‏.‏

‏{‏إِلأَ وَلاَ ذِمَّةً‏}‏ وفي الإلّ سبعة تأويلات‏.‏

أحدها‏:‏ أنه العهد، وهوقول ابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه اسم الله تعالى، قاله مجاهد، ويكون معناه لا يرقبون الله فيكم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه الحلف، وهو قول قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أن الإل اليمين، والذمة العهد، قاله أبو عبيدة، ومنه قول ابن مقبل‏:‏

أفسد الناس خلوف خلفوا *** قطعوا الإلَّ وأعراق الرَّحِم

والخامس‏:‏ أنه الجوار، قاله الحسن‏.‏

والسادس‏:‏ أنه القرابة، قاله ابن عباس والسدي، ومنه قول حسان‏:‏

وأُقسم إن إلَّك من قريش *** كإل السّقْبِ من رَأل النعام

والسابع‏:‏ أن الإل العهد والعقد والميثاق واليمين، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له، قاله بعض البصريين‏.‏

‏{‏وَلاَ ذِمَّةً‏}‏ فيها ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ الجوار، قاله ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ أنه التذمم ممن لا عهد له، قاله بعض البصريين‏.‏

والثالث‏:‏ أنه العهد وهو قول أبي عبيدة‏.‏

‏{‏يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يرضونك بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر‏.‏

والثاني‏:‏ يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية‏.‏

والثالث‏:‏ يرضونكم بأفواهم في الوعد بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضيه من المشركين إلا بالإيمان‏.‏

‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في نقض العهد وإن كان جميعهم بالشرك فاسقاً‏.‏

والثاني‏:‏ وأكثرهم فاسق في دينه وإن كان كل دينهم فسقاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 11‏]‏

‏{‏اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏9‏)‏ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏اشْتَرَواْ بَئَايَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً‏}‏ في آيات الله تعالى ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ حججه ودلائله‏.‏

والثاني‏:‏ آيات الله التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والثمن القليل‏:‏ ما جعلوه من ذلك بدلاً‏.‏ وفي صفته بالقليل وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأنه حرام، والحرام قليل‏.‏

والثاني‏:‏ لأنها من عروض الدنيا التي بقاؤها قليل‏.‏

وفيمن أريد بهذه الآية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، وهذا قول مجاهد ومن زعم أن الآيات حجج الله تعالى‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قوم من اليهود دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه وهذا قول من زعم أنها آيات التوراة‏.‏

‏{‏فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ عن دين الله تعالى في المنع منه‏.‏

والثاني‏:‏ عن طاعة الله في الوفاء بالعهد‏.‏

والثالث‏:‏ عن قصد بيت الله حين أحصر بالحديبيّة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ‏}‏ أي نقضوا عهدهم الذي عقدوه بأيمانهم‏.‏

‏{‏وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ إظهار الذم له‏.‏

والثاني‏:‏ إظهار الفساد فيه‏.‏

‏{‏فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ‏}‏ فيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم رؤساء المشركين‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم زعماء قريش، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم الذين كانوا قد هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة‏.‏

‏{‏إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ‏}‏ قراءة الجمهور بفتح الألف، من اليمين لنقضهم إياها‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ‏}‏ بكسر الألف، وهي قراءة الحسن‏.‏ وفيها إذا كسرت وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم كفرة لا إيمان لهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم لا يعطون أماناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏

‏{‏أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏13‏)‏ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ‏(‏14‏)‏ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏15‏)‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً‏}‏ فيها ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الخيانة، قاله قتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم البطانة، قاله قطرب ومقاتل، ومنه قول الشاعر‏:‏

وجعلت قومك دون ذاك وليجة *** ساقوا إليك الخير غير مشوب

والثالث‏:‏ أنه الدخول في ولاية المشركين، من قولهم ولج فلان في كذا إذا دخل فيه قال طرفة بن العبد‏:‏

رأيت القوافي يتلجن موالجاً *** تضايق عنها أن تولجها الإبر

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ‏}‏ يعني المسجد الحرام‏.‏ وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما كان لهم أن يعمروها بالكفر لأن مساجد الله تعالى تعمر بالإيمان‏.‏

والثاني‏:‏ ما كان لهم أن يعمروه بالزيارة له والدخول إليه‏.‏

‏{‏شَاهِدِينَ عَلَى أنفُسِهِم بِالْكُفْرِ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن فيما يقولونه أو يفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه إقرارهم، فكأن ذلك منهم هو شهادتهم على أنفسهم، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ يعني شاهدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم، قاله الكلبي‏.‏

والثالث‏:‏ أن النصراني إذا سئل ما أنت‏؟‏ قال‏:‏ نصراني، واليهودي إذا سئل قال‏:‏ يهودي، وعابد الوثن يقول‏:‏ مشرك، وكان هؤلاء كفار وإن لم يقروا بالكفر، قاله السدي‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ‏}‏ في هذه المساجد قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها مواضع السجود من المصلى، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ بالمحافظة على إقامة الصلاة‏.‏

والثاني‏:‏ بترك الرياء‏.‏

والثالث‏:‏ بالخشوع والإعراض عما ينهى‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى‏.‏

والثاني‏:‏ إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى‏.‏

والثالث‏:‏ إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى‏.‏

‏{‏وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِن الْمُهْتَدِينَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم‏.‏

والثاني‏:‏ أن كل ‏{‏عَسَى‏}‏ من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً، قاله ابن عباس والسدي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 22‏]‏

‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏20‏)‏ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ‏(‏21‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ يعني بعمارته السدانة والقيام به‏.‏

‏{‏كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ‏}‏ لأن قريشاً فضلت ذلك على الإيمان بالله، فرد الله تعالى عليهم وأعلمهم أنهما لا يستويان، وأن ذلك مع الكفر محبط‏.‏

وحكى مقاتل أن هذا الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب، وهو صاحب السقاية، وفي شيبة بن عثمان وهو صاحب السدانة وحاجب الكعبة أُسرا يوم بدر فعيرا بالمقام على الكفر بمكة وأغلظ لهما المهاجرون، فقالا نحن أفضل منكم أجراً نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فنزل هذا فيهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏23‏)‏ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏قُلْ إِن كَانَ ءَآبَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا‏}‏ يعني اكتسبتموها‏.‏

‏{‏وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها أموال التجارات إذا نقص سعرها وكسد سوقها‏.‏

والثاني‏:‏ أنهن البنات الأيامى إذا كسدن عند آبائهن ولم يخطبن‏.‏ ‏{‏وَمَسَاكِنَ تَرْضَونَهَا‏}‏ وهذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا إِشفاقاً على فراق ما ذكره الله تعالى ميلاً إليه وحبّاً له فذمهم الله تعالى على ذلك وقال‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَتَربَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه فتح مكة، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ حتى يأتي الله بأمره من عقوبة عاجلة أو آجلة، قاله الحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 27‏]‏

‏{‏لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏26‏)‏ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وفي السكينة ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الرحمة، قاله علي بن عيسى‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الأمن والطمأنينة‏.‏

والثالث‏:‏ أنها الوقار، قاله الحسن‏.‏

‏{‏وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الملائكة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل‏.‏

‏{‏وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالخوف والحذر‏.‏

والثاني‏:‏ بالقتل والسبي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏28‏)‏ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخرِ‏}‏ فإن قيل‏:‏ فأهل الكتاب قد آمنوا بالله واليوم الآخر فكيف قال ذلك فيهم،‏؟‏

ففيه جوابان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فكانوا بترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرّ به‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ذمّهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في الذم بالكفر كغيرهم‏.‏

‏{‏وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه ما أمر الله سبحانه وتعالى بنسخه من شرائعهم‏.‏

والثاني‏:‏ ما أحله لهم وحرمه عليهم‏.‏

‏{‏وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ‏}‏ والحق هنا هو الله تعالى، وفي المراد بدينه في هذا الموضع وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ العمل بما في التوراة من اتباع الرسول، قاله الكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ الدخول في دين الإسلام لأنه ناسخ لما سواه من الأديان، وهو قول الجمهور‏.‏

‏{‏مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب‏.‏

الثاني‏:‏ من الذين أوتوا الكتاب بين أظهرهم لأنه في اتباعه كآبائهم‏.‏

‏{‏حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ حتى يضمنوا الجزية وهو قول الشافعي لأنه يرى أن الجزية تجب انقضاء الحول وتؤخذ معه‏.‏

والثاني‏:‏ حتى يدفعوا الجزية‏.‏

وفي الجزية وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها من الأسماء المجملة لا يوفق على علمها إلا بالبيان‏.‏

والثاني‏:‏ أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما خص بالدليل‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏عَن يَدٍ‏}‏ وفيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ عن غنى وقدرة‏.‏

والثاني‏:‏ أنها من عطاء لا يقابله جزاء، قاله أبو عبيدة‏.‏

والثالث‏:‏ أن يروا أن لنا في أخذها منهم يداً عليهم بحقن دمائهم بها‏.‏

والرابع‏:‏ يؤدونها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون‏.‏

‏{‏وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن يكونوا قياماً والآخذ لها جالساً، قاله عكرمة‏.‏

والثاني‏:‏ أن يمشوا بها وهم كارهون، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن يكونوا أذلاء مقهورين، قاله الطبري‏.‏

والرابع‏:‏ أن دفعها هو الصَّغار بعينه‏.‏

والخامس‏:‏ أن الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، قاله الشافعي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 31‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏30‏)‏ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابْنُ اللَّهِ‏}‏ الآية‏.‏ أما قول اليهود ذلك فسببه أن بختنصر لما أخرب بيت المقدس أحرق التوراة حتى لم يبق بأيديهم شيء منها، ولم يكونوا يحفظونها بقلوبهم، فحزنوا لفقدها وسألوا الله تعالى ردها عليهم، فقذفها الله في قلب عزير، فحفظها وقرأها عليهم فعرفوها فلأجل ذلك قالوا إنه ابن الله‏.‏

واختلف فيمن قال ذلك على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن ذلك كان قول جميعهم، وهو مروي عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قول طائفة من سلفهم‏.‏

والثالث‏:‏ أنه قول جماعة ممن كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

واختلف فيهم على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه فنحاص وحده، ذكر ذلك عبيد بن عمير وابن جريج‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم جماعة وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، وهذا مروي عن ابن عباس‏.‏

فإن قيل‏:‏ فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم‏؟‏

قيل‏:‏ لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم‏.‏

‏{‏وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ‏}‏ وهذا قول جميعهم، واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى‏.‏

‏{‏ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْواهِهِمْ‏}‏ معنى ذلك‏:‏ وإن كانت الأقوال كلها من الأفواه‏:‏ أنه لا يقترن به دليل ولا يعضده برهان، فصار قولاً لا يتجاوز الفم فلذلك خص به‏.‏

‏{‏يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ من قبلُ‏}‏ أي يشابهون، مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء إذا لم تحض تشبيهاً بالرجال ومنه ما جاء في الحديث‏:‏ «أَجرَأُ النَّاسِ عَلى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ خَلْقَهُ» أي يشبهون به‏.‏

وفيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن قولهم ذلك يضاهي قول عبدة الأوثان في اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أن قول النصارى المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله، قاله الطبري‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم في تقليد أسلافهم يضاهون قول من تقدمهم، قاله الزجاج‏.‏

‏{‏قَاتََلَهُمُ اللَّهُ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه لعنهم الله، قاله ابن عباس ومنه قول عبيد بن الأبرص‏:‏

قاتلها الله تلحاني وقد علمت *** أني لنفسي إفسادي وإصلاحي

والثاني‏:‏ معناه قتلهم الله، قاله بعض أهل العربية‏.‏

والثالث‏:‏ أن الله تعالى فيما أعده لعذابهم وبينه من عداوتهم التي هي في مقابلة عصيانهم وكفرهم كأنه مقاتل لهم‏.‏

‏{‏أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏ معناه كيف يُصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ‏}‏ أما الأحبار منهم العلماء، واحدهم حَبْر سمي بذلك لأنه يحبر المعاني أي يحسنها بالبيان عنها‏.‏

وأما الرهبان فجمع راهب، مأخوذ من رهبة الله تعالى وخشيته، غير أنه صار بكثرة الاستعمال يتناول نُسّاك النصارى‏.‏

وقوله ‏{‏أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ‏}‏ يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم، فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا إنهم أرباب، وقد روي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 33‏]‏

‏{‏يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ‏(‏32‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ‏}‏ وفي نوره قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه القرآن والإسلام، قاله الحسن وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه آياته ودلائله لأنه يهتدى بها كما يهتدى بالأنوار‏.‏

وإنما خص ذلك بأفواههم لما ذكرنا أنه ليس يقترن بقولهم دليل‏.‏

‏{‏وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ‏}‏ وليس يريد تمامه من نقصان لأن نوره لم يزل تاماً‏.‏ ويحتمل المراد به وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ إظهار دلائله‏.‏

والثاني‏:‏ معونة أنصاره‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ‏}‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى خلقه بالهدى ودين الحق‏.‏

وفيها أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الهدى البيان، ودين الحق الإسلام، قاله الضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ أن الهدى الدليل، ودين الحق المدلول عليه‏.‏

والثالث‏:‏ معناه بالهدى إلى دين الحق‏.‏

والرابع‏:‏ أن معناهما واحد وإنما جمع بينهما تأكيداً لتغاير اللفظين‏.‏

‏{‏لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏}‏ فيه ستة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني عند نزول عيسى عليه السلام فإنه لا يعبد الله تعالى إلاّ بالإٍسلام، قاله أبو هريرة‏.‏

والثاني‏:‏ معناه أن يعلمه شرائع الدين كله ويطلعه عليه، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ ليظهر دلائله وحججه، وقد فعل الله تعالى ذلك، وهذا قول كثير من العلماء‏.‏

والرابع‏:‏ ليظهره برغم المشركين من أهله‏.‏

والخامس‏:‏ أنه وارد على سبب، وهو أنه كان لقريش رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق فلما أسلموا انقطعت عنهم الرحلتان للمباينة في الدين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى عليه‏:‏ ‏{‏لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏}‏ يعني في بلاد الرحلتين وقد أظهره الله تعالى فيهما‏.‏ والسادس‏:‏ أن الظهور الاستعلاء، ودين الإسلام أعلى الأديان كلها وأكثرها أهلاً، قد نصره الله بالبر والفاجر والمسلم والكافر، فروى الربيع بن أنس عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إِنَّ اللَّهِ يُؤَيِّدُ بِأَقْوَامٍ مَا لَهُم فِي الأَخِرَةِ مِن خَلاَقٍ»‏.‏